آخر تحديث :الأحد - 12 أبريل 2026 - 12:30 ص

كتابات واقلام


خدمة مدفوعة وابتزاز لا مفر منه

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 11:06 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في زمنٍ يفترض أن تكون فيه الخدمة العامة حقًا مكفولًا، لا منّة فيه ولا وساطة، يتحوّل الهاتف الأرضي – ذلك الجهاز الذي كان يومًا رمزًا للاستقرار – إلى شاهدٍ صامت على خللٍ أكبر من مجرد “عطل فني”.
القصة لم تعد عن سلكٍ مقطوع أو مقسمٍ معطّل، بل عن منظومةٍ كاملة اختلّ ميزانها، حتى أصبح المواطن فيها الحلقة الأضعف، يدفع ثمن خدمةٍ يفترض أنها مدفوعة أصلًا ضمن اشتراكه، لا صفقة تُدار في الظل.
المفارقة المؤلمة أن الأعطال لم تعد حدثًا طارئًا، بل حالة شبه دائمة. لا شكوى تُقبل، ولا استجابة تُرجى، وكأن المواطن يُحدّث فراغًا. أما التبرير الجاهز، فهو أكثر جاهزية من الخدمة نفسها: “لا يوجد مهندسون تابعون للمؤسسة… الجميع متقاعدون”.
لكن، إن كانوا متقاعدين… فمن الذي يدير هذا المشهد؟
ومن الذي منحهم سلطة التحكم، والتدخل، بل وفرض واقعٍ خارج أي إطار قانوني؟
لقد نشأت – في الظل – منظومة موازية، يتصدّرها “مهندسون قدامى”، يعملون عبر وسطاء، يتحكمون في مسار الأعطال، لا في حلّها فقط.
والنتيجة: خدمة عامة تُدار بعقلية “من يدفع… يُخدم”.
الأخطر من ذلك، أن الشكوك لم تعد مجرد انطباعات، بل قناعة تتشكل لدى كثير من المواطنين:
بعض الأعطال لا تُترك عبثًا، بل تُترك عمدًا، لتتحول إلى وسيلة ضغط، تدفع المواطن إلى البحث عن “حل غير رسمي”، لأنه لم يجد طريقًا رسميًا أصلًا.
وهنا، لا نتحدث عن خللٍ عابر، بل عن بيئة خصبة للابتزاز، تغيب فيها المؤسسة، وتحضر فيها المصالح.
السؤال الجوهري: أين المؤسسة؟
أين دور الإدارة العامة للاتصالات في حماية حقٍ مدفوع مسبقًا؟
أين القنوات التي تُمكّن المواطن من الشكوى دون أن يتحول إلى متسول خدمة؟
وأين المساءلة حين تتحول الأعطال إلى مصدر دخل غير مشروع؟
الحل لا يبدأ بفرض رسوم، بل بإعادة الاعتبار للخدمة
المعالجة الحقيقية لا تكون بخلق “تعرفة” جديدة، بل بإغلاق باب الدفع خارج القانون من أساسه، وذلك عبر:
التأكيد الصريح أن صيانة الهاتف الأرضي حق مجاني ضمن الخدمة، ولا يجوز تقاضي أي مبالغ مقابل إصلاح الأعطال الأساسية.
إعادة بناء جهاز فني رسمي يعمل تحت إشراف مباشر من المؤسسة، بدل ترك الخدمة في يد شبكات مشبوهة وغير رسمية.
إطلاق نظام بلاغات مُلزم وشفاف، يُوثّق الأعطال ويحدد زمنًا أقصى لإصلاحها، مع رقم متابعة واضح لكل مواطن.
تجريم أي مبالغ تُدفع خارج الإطار الرسمي، واعتبارها ابتزازًا صريحًا يُحاسب عليه القانون.
فتح تحقيق إداري مستقل في شكاوى التلاعب المتعمد بالأعطال، لأن التغاضي هنا ليس حيادًا، بل شراكة ضمنية.
المواطن لا يطلب خدمة إضافية، ولا رفاهية زائدة، بل يطالب بشيء بسيط جدًا: أن يعمل هاتفه دون أن يدفع “إكرامية الخلل”.
فإما أن تعود الخدمة إلى كونها حقًا،
أو سيبقى العطل، هو القاعدة، والإصلاح، استثناء يُدفع ثمنه.

وسلامتكم،،