آخر تحديث :الجمعة - 29 مايو 2026 - 11:41 م

كتابات واقلام


هادي: الرئيس الذي كاسر طوق "المركز المقدس" وبذر ثورة المواطنة المتساوية

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 10:54 م

عبدالمجيد زبح
بقلم: عبدالمجيد زبح - ارشيف الكاتب


في بلد كاليمن، لطالما برزت طفرة استثنائية بين القادة الحقيقيين؛ أولئك الذين يحملون مشروع حياة للإنسان قبل كل شيء، ويظهرون في منعطفات التحولات الكبرى مجردين من أدوات القوة التقليدية، ومع ذلك ينجحون في تغيير قواعد اللعبة. واليمن، بطبيعته الجغرافية والقبلية المعقدة، كان دائماً مسرحاً لتصادم الإرادات بين مركز جغرافي وتاريخي مهيمن وبين أطراف حيوية تتوق للعدالة. ورحيل الرئيس اليمني الأسبق عبد ربه منصور هادي لا يمثل مجرد غياب لشخصية محورية في التاريخ اليمني المعاصر، بل هو إغلاق لصفحة من أعقد صفحات الصراع حول بنية الدولة ونظام الحكم الذي طالما أُدير وكأنه مِلكية خاصة وحصريّة لـ "المركز المقدس".

لقد كان هادي رجل دولة هادئاً، امتلك فَهماً عميقاً للديناميكيات الداخلية التي تحكم هذا النظام المضطرب؛ حيث أمضى عقوداً في كواليس المركز السياسي والعسكري بصنعاء، عاصراً توازناته وتحالفاته، ومدركاً في الوقت ذاته أن استدامة الاستقرار في بلد كاليمن لا يمكن أن تقوم على احتكار القرار والثروة داخل جغرافيا محددة أو سلالة أونخبة بعينها. ومن هذا المنطلق، لم يكن مشروعه لليمن الاتحادي مجرد رؤية قانونية للتعايش، بل كان استراتيجية جريئة لتفكيك تلك الـمِلكية الخاصة وتوزيع القوة والمواطنة لضمان ديمومة الكيان الوطني اليمني ككل. وحين جابهته قوى المركز بالغدر والمطاردة والتشويه، لم يكن ذلك لضعفٍ في مناوراته، بل لأن مشروعه مس الجذور العميقة لامتيازات احتكار السلطة، ليثبت التاريخ مجدداً أن القادة الصادقين يرحلون، وتظل مشاريعهم الكبرى هي المعيار الحقيقي الذي تقاس به حركية التاريخ ومستقبل الشعوب.

وفي غمار هذه التحولات الكبرى التي تعصف بالأوطان، يرحل القادة وتبقى مشاريعهم شواهد حية تحاكمها الأيام وتنصفها الضمائر، وبرحيل هادي، لا يغيب مجرد رئيس عابر، بل تطوى صفحة رجلٍ وُضع في عين العاصفة، وفي أدق وأخطر مرحلة انتقالية عاشتها البلاد، ليحمل على عاتقه وعاتق الأمة مشروعاً استثنائياً تمثل في اليمن الاتحادي الجديد، دولة القانون والسلام والتعايش والشراكة العادلة في السلطة والثروة وتجاوز صيغ الهيمنة الفردية والعائلية.

فقد كان الراحل كبيراً بحجم الوجع اليمني، وصادقاً بحجم التطلعات التي رآها الملايين في عينيه وهو يقود سفينة بلاد تموج بها الرياح العاتية من كل اتجاه، ولم يكن هادي غريباً عن دهاليز الحكم ولا عن طبائع الاستبداد والسيطرة؛ فقد أمضى قرابة عقدين من الزمن نائباً في قمة الهرم، عاصر فيها تفاصيل التحالفات المعقدة، وعاش في قلب المركز السياسي والعسكري، وعاش بين قوى أحزاب المركز المقدس وعرف أدق أسرارها، فكان القريب منهم والبعيد في آن واحد؛ قريباً بدرجة تمنحه الفهم العميق لتركيبة المنظومة الـمُقادة بالعصبية والجهوية، وبعيداً بدرجة تحميه من الذوبان في تلك التركيبة الإقصائية، وهذا التموضع النادر منحه بصيرة استراتيجية نافذة وهدوءاً وصبراً حير الكثير من مراقبيه، وجعلاه قادراً على النجاة والمناورة وسط حقل من الأفاعي السياسية التي طالما رباها صالح وحلفاؤه، وحين تجمعت تلك الأفاعي بأنيابها ولدغاتها لتنال منه ومن مشروعه، أثبت أنه كان بارعاً وأكثر ذكاءً وشجاعة, فاستطاع أن ينفذ من بينها محتفظاً بشرعية الدولة وكرامة الوطن.

فحين تسلم هادي مقاليد السلطة بموجب المبادرة الخليجية والإرادة الشعبية في فبراير 2012، لم يتسلم دولة مستقرة أو مؤسسات ، بل تسلم تركة مثقلة بالأزمات والانقسامات وحسابات الانتقام، ومع ذلك لم ينكفئ على تسيير الأعمال أو تأمين البقاء الفردي، بل شرع فوراً في هندسة المستقبل عبر قيادة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وصاغ مع كل القوى الحية وثيقة اليمن الاتحادي التي كانت تهدف إلى كسر قيد المركزية الحادة وإنهاء احتكار القرار والثروة الذي مارسته قوى المركز لعقود طويلة، ليعيد توزيعها بعدالة على أقاليم اليمن لضمان كرامة ومواطنة متساوية لكل يمني من المهرة إلى صعدة، ومن هنا استشعر ملايين اليمنيين، خاصة في الأطراف والمناطق التي عانت التهميش الطويل، أن هذا الرجل يمثل تطلعاتهم الحقيقية نحو غد يتسع للجميع لا مكان فيه للمركزية الإقصائية.

لكن عظمة هذا المشروع ونزاهته كانتا بالتحديد سبب الهجوم الضاري عليه؛ فالقوى التقليدية والتحالفات النافذة التي عاشت على امتصاص خيرات البلاد لم تكن لتقبل بصيغة تسلبها امتيازاتها التاريخية، ولأن هادي لم يكن جزءاً من ذلك المركز المقدس ولم ينصع لإرادته، تعرض لسيول من الغدر والخذلان، ولحملات ممنهجة من التشويه والمطاردة، ولم يكن ذنبه إلا أنه تجرأ على الحلم بوطن حر وقانون نافذ وشراكة حقيقية وإعادة صياغة العقد الاجتماعي اليمني خارج عباءة النفوذ التقليدي، فتآمرت ضده قوى السلاح والنفوذ، وتجمعت لإحباط هذا التحول التاريخي وإسقاط الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي، ورغم كل الخذلان والطعنات في الظهر، ظل كالجبل صامداً، متمسكاً بالشرعية الدستورية كمظلة وحيدة تمنع الانهيار الكامل للكيان الوطني، وجسّد بشجاعته وثباته أمل الشعب في مواجهة النفوذ والتمرد الزيدي.

يرحل الجسد وتبدد الأيام التحالفات اللحظية والمكايدات السياسية، لكن القيمة الأخلاقية والإنسانية والسياسية للمشاريع الكبرى لا تموت ولا تنتهي، وسيظل هادي في قلوب اليمنيين خالداً بصفته أنزه وأشجع وأذكى رئيس قاد البلاد في زمن الانكسار، الرئيس الذي انحاز لليمن المغيب ورفض المساومة على تطلعات شعبه، ولم يبع الوهم يوماً، وقد تسجل القراءات السياسية تباينات حول أدوات الإدارة وإكراهات الحرب، لكن الضمير الشعبي الحر سيحفظ له أنه لم يساوم على كرامة الدولة الاتحادية، وسيظل اسمه حياً مقترناً بالمواطنة المتساوية، فكلما هبت على اليمن طموحات الحرية، وكلما تطلع الناس إلى السلام والتعايش البشري الخلاق، تذكروا ذلك القائد الذي زرع بذور العدالة في أرض ملغومة، ومضى إلى ربه نقياً طاهراً، تاركاً إرثاً ملهماً للأجيال، فسلام على روحه الطاهرة، ورحمة الله تغشاه في الخالدين.