آخر تحديث :الإثنين - 30 مارس 2026 - 05:41 م

كتابات


من عدن 1979 إلى بيروت اليوم: دروس السيادة الوطنية

الإثنين - 30 مارس 2026 - 04:13 م بتوقيت عدن

من عدن 1979 إلى بيروت اليوم: دروس السيادة الوطنية
أرشيف - صورة قديمة من خور مكسر - عدن

كتب / د.حسين لقور بن عيدان.

‏في يونيو ١٩٧٩، وقفت عدن أمام إهانة سيادية صارخة وهي أن دبلوماسيين عراقيين من داخل السفارة العراقية اغتالوا الدكتور توفيق رشدي، أستاذ جامعة عدن " العراقي المعارض"، أمام منزله في حي المنصورة في عدن. هرب القتلة إلى داخل السفارة، وتمسكت بغداد باتفاقية فيينا، رافضة تسليمهم.

جرت وساطات دبلوماسية، لكنها باءت بالفشل. شعر الناس في عدن أن كرامتهم الوطنية تُداس، وأن سيادة ارضهم أصبحت مجرد ورقة في يد دبلوماسية أجنبية.

لم ينتظروا طويلاً. أصدرت القيادة الجنوبية قرارها الجريء: حصار السفارة، ثم اقتحامها. أُطلقت قذيفة تحذيرية واحدة فقط، فخرج القتلة رافعين الرايات البيضاء. قال أحد المسؤولين آنذاك بكل وضوح: «قولوا للعالم إننا لم نقرأ اتفاقية فيينا». كانت الرسالة واضحة: السيادة ليست شعاراً، بل فعلاً.

بعدها أُجريت للقتلة محاكمة علنية بُثت يومياً على التلفزيون، ثم تم تبادل القتلة المعتقلين بطلاب جنوبيين فُصلوا من جامعات العراق. انتهت الأزمة ولكن بكرامة، وخرجت عدن أقوى في وعي شعبها.

اليوم، وبعد أكثر من ستة وأربعين عاماً، يتكرر المشهد في بيروت، لكن بوجوه وأجواء مختلفة تماماً. السفير الإيراني محمد رضا شيباني رفض مغادرة لبنان رغم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، وسحب الاعتماد الدبلوماسي.

يتمسك بذات الحجة: اتفاقية فيينا. ويجد من يدعمه داخلياً وخارجياً. الشعور بالإهانة السيادية موجود، لكن الظروف ليست كظروف عدن الدولة انذاك، لبنان اليوم ليس دولة واحدة متماسكة في زمن الحرب الباردة، بل ساحة توازنات دقيقة، وتحالفات إقليمية معقدة، ودولة تواجه ضغوطاً داخلية ودولية تختلف جذرياً عن تلك التي كانت تواجهها عدن.

ومع ذلك، تظل روح عدن ١٩٧٩ تُذكّرنا بأن هناك لحظات لا يمكن فيها للدولة أن تتنازل عن كرامتها تحت ذريعة الأعراف الدولية. كانت جرأة قادة عدن آنذاك استثنائية لأنها جاءت من دولة صغيرة لم تخشَ العواقب، وآمنت أن السيادة تُدافع عنها بالفعل لا بالبيانات. اليوم، في لبنان، قد لا يُتخذ قرار الاقتحام نفسه والظروف والأثمان مختلفة تماماً، لكن الدرس يبقى: عندما يتحول الدبلوماسي إلى أداة تدخل وإهانة، فإن الدولة المضيفة لها الحق في أن تُظهر أن سيادتها ليست للاستهلاك.

عدن علّمتنا أن الكرامة الوطنية أحياناً تحتاج إلى قرارات جريئة، حتى لو كانت تُثير غضب العالم. بيروت اليوم تواجه اختباراً مشابهاً في الشكل، مختلفاً في الجوهر. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستجد بيروت اليوم روح عدن التي تجعلها تقول للعالم، بطريقتها الخاصة: نحن لم نقرأ اتفاقية فيينا... عندما تُمس كرامتنا؟