آخر تحديث :الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - 02:09 م

ثقافة - أدب - فن


محمد عبد القادر بافقيه وصحافة السخرية ونقد المجتمع في حضرموت

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - 01:41 م بتوقيت عدن

محمد عبد القادر بافقيه وصحافة السخرية ونقد المجتمع في حضرموت

سعيد عمشوش

لا يمكن النظر إلى الصحافة المحلية في حضرموت خلال ستينيات القرن العشرين باعتبارها مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو منبرًا لتداول الآراء والمواقف السياسية، إذ كانت، في جانب مهم منها، فضاءً لتشكّل الوعي الاجتماعي والثقافي، ومرآةً للتحولات التي كان المجتمع الحضرمي يعيشها في تلك المرحلة. ومن هنا فإن العودة إلى أعداد الصحف الحضرمية التي صدرت في تلك الفترة لا تتيح للباحث التعرف إلى تاريخ الصحافة المحلية فحسب، وإنما تفتح أمامه كذلك نافذة واسعة على أنماط التفكير، ومظاهر الحياة اليومية، والقيم الاجتماعية، والتوترات الثقافية والسياسية التي كانت تتفاعل في المجتمع آنذاك.


وقد شهدت الصحافة المطبوعة في حضرموت ازدهارًا ملحوظًا خلال الفترة الممتدة من سنة 1958 إلى نهاية سنة 1967. وبعد صدور صحيفتي (الطليعة) و(الرائد)، جاءت (الرأي العام) لتحتل موقعًا مهمًا في المشهد الصحفي الحضرمي. ففي 12 يوليو 1963، وبعد مخاض امتد نحو ثلاث سنوات، صدر العدد الأول من هذه الصحيفة التي أصدرها علي عبد الرحمن بافقيه، وشارك في تحريرها عدد من الكتاب الحضارم الذين كانوا يحملون شغفًا واضحًا بالكتابة والصحافة، ومنهم يحيى عبود بن يحيى، وعمر حسين البار، وعلي محمد حميد، وسلامة عبد القادر بامطرف، المعروفة بتوقيعها (س ع ب).


وفي هذا السياق برز اسم محمد عبد القادر بافقيه، الذي كان يشغل آنذاك وظيفة مساعد ناظر المعارف بالمكلا، وكان قد سبق له أن كتب في صحيفة (الرائد). ولم تكن مشاركته في (الرأي العام) مشاركة عابرة أو محدودة، فقد رفدها بمجموعة من المقالات التي تكشف عن موهبة صحفية متميزة، وعن قدرة واضحة على الجمع بين النقد الاجتماعي والسخرية، وبين اللغة الصحفية واللمسة الأدبية، فضلًا عن امتلاكه أدوات الحوار والوصف والسرد.

وكان بافقيه يوقع مقالاته في الغالب باسم مستعار هو (سندباد ع الورق)، أو بالأحرف (س ع و)، بينما كانت بعض المقالات الافتتاحية تنشر باسم الصحيفة نفسها. وتكشف هذه الظاهرة، التي كانت شائعة في الصحافة الحضرمية آنذاك، عن طبيعة الكتابة الصحفية في تلك المرحلة، حيث كان عدد من الكتاب يفضلون التخفي وراء أسماء مستعارة مثل: (ابن الساحل)، و(بنت الساحل)، و(ابن الوادي)، و(ابن الأثير)، و(ابن المهجر)، و(جنوبي)، و(مواطن)، و(مواطن عربي)، و(أحمد)، و(بو حسن)، و(محرر).


وتكتسب إسهامات محمد عبد القادر بافقيه أهمية خاصة لأنها تتيح لنا قراءة نموذج مبكر من الصحافة النقدية في حضرموت؛ وهي صحافة لم تكن تكتفي بتسجيل مظاهر الحياة، وإنما كانت تتدخل فيها بالنقد والسخرية والتعليق والمساءلة. لذلك فإن دراسة هذه الكتابات لا تعني استعادة نصوص صحفية قديمة وحسب، وإنما تعني أيضًا استعادة جانب من تاريخ الحس النقدي في المجتمع الحضرمي.


ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف عند إسهامات محمد عبد القادر بافقيه في صحيفة (الرأي العام) من خلال ثلاثة محاور رئيسة: أولها حصر أبرز ما كتبه في الصحيفة، وثانيها الكشف عن الاتجاه العام لموضوعات مقالاته، وثالثها الوقوف عند بعض الخصائص الفنية والأسلوبية التي جعلت كتاباته تحظى باهتمام القراء، وفي مقدمتها السخرية، والمزج بين الفصحى والعامية، والاستفادة من بعض التقنيات السردية.


أولًا: محمد عبد القادر بافقيه و(الرأي العام)... حضور مبكر ولافت

يكشف تتبع أعداد (الرأي العام) عن حضور واضح لمحمد عبد القادر بافقيه منذ العدد الأول للصحيفة. ففي العدد الصادر في 12 يوليو 1963، والذي كتب افتتاحيته رئيس التحرير علي عبد الرحمن بافقيه، شارك محمد عبد القادر بافقيه بمقالين طويلين هما: (كتاب سخيف: صهيوني في المكلا) و(مذلول في الفضاء). وقد وقع المقال الأول بالأحرف (س ع و)، في حين حمل المقال الثاني توقيع (سندباد ع. الورق)، وهو الاسم المستعار الذي كان يستخدمه أيضًا في صحيفة (الرائد).


ويكتسب هذا الحضور المبكر دلالته من كون المقالين يكشفان، منذ البداية، عن جانبين أساسيين في تجربة بافقيه الصحفية: أولهما اهتمامه بالقضايا الفكرية والثقافية والسياسية التي تتجاوز حدود البيئة المحلية، وثانيهما ميله إلى معالجة القضايا الاجتماعية من خلال السخرية والمفارقة.

وفي العدد الثاني نشرت الصحيفة له مقالين أيضًا؛ جاء الأول بعنوان (اللامعقول) في صورة افتتاحية للعدد، بينما حمل الثاني عنوان (حديث صحفي) واحتل الصفحة الأخيرة كاملة. ثم جاء في العدد الرابع مقال قصير بعنوان (الحال) وقعه باسم (سندباد ع الورق). وفي العدد الخامس نشرت الصحيفة في صفحتها الأخيرة ترجمة مختصرة لإحدى قصص الأديب البريطاني سومرست موم بعنوان (الناس وظروفهم).

ويظهر هنا جانب آخر من شخصية بافقيه الصحفية، وهو اتساع اهتمامه الأدبي والثقافي. فالصحفي الذي يكتب افتتاحية سياسية أو اجتماعية، وينتقد ظاهرة من ظواهر المجتمع، هو نفسه الذي ينقل إلى القارئ العربي نماذج من الأدب العالمي، ويقدمها في صورة مختصرة تتلاءم مع طبيعة الصحيفة وفضاء القراءة الصحفية.


وفي العدد السادس كتب بافقيه افتتاحية بعنوان (هذا هو السؤال)، كما نشرت الصحيفة ترجمة مختصرة أخرى لقصة من قصص سومرست موم بعنوان (النملة والجرادة). وفي العدد السابع كتب افتتاحية قصيرة جدًا بعنوان (حماري سبق حمارك)، ونشرت له في الصفحة الأخيرة مقالة ضمن زاوية (خليها على الله) بعنوان (عصابات حشيمة).

أما العدد الثامن فقد حمل افتتاحية له بعنوان (مخلوقات عجيبة)، إلى جانب مقال في الصفحة الأخيرة بعنوان (ممنوع سيدي) وقعه (س ع و). ثم وقع بالأحرف نفسها افتتاحية العدد التاسع (السر)، كما نشر في العدد نفسه مقالًا بعنوان (بغيناكم تلقون بصر).


وتتواصل مشاركته في الأعداد التالية من خلال افتتاحيات العدد الحادي عشر (عيب)، والثاني عشر (الخضر)، والثالث عشر (مجتمع الشيخ بلال)، والرابع عشر (لعل وعسى)، والخامس عشر (وحدوا الصفوف يا حضارم). ويكشف هذا التسلسل عن أن بافقيه لم يكن مجرد كاتب يرفد الصحيفة بمقال بين الحين والآخر، بل كان أحد الأصوات الأساسية التي أسهمت في بناء خطابها النقدي في مرحلة مبكرة من عمرها.


غير أن انتظام هذا الحضور لم يستمر على الوتيرة نفسها؛ إذ توقف بافقيه بعد ذلك عن رفد (الرأي العام) بمقالاته بصورة منتظمة. وقد تزامن ذلك مع أزمة مالية أو تحريرية مرت بها الصحيفة، إذ أشار رئيس التحرير في العدد السابع عشر إلى تقليص عدد صفحاتها من ثماني صفحات إلى أربع، واستمر الوضع حتى العدد الحادي والأربعين.

ثم عاد بافقيه إلى الكتابة في الصحيفة في العددين 61 و62، الصادرين في سبتمبر 1964. فكتب في العدد 61 مقالة طويلة بعنوان (شاهد التاج)، وقدمت بوصفها افتتاحية، كما ارتبط العدد بمقالة (أداة الاستعمار). وتكشف هاتان المادتان عن انتقال واضح في طبيعة الموضوع الذي يتناوله بافقيه، إذ دخل بصورة أكثر مباشرة في سجال سياسي وفكري مع المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف.

ويرجح كذلك أن تكون افتتاحية العدد 69، (مرحبا بالوفود)، من كتابة بافقيه، نظرًا إلى ما تتضمنه من سمات أسلوبية تلتقي مع خصائص كتاباته المعروفة. ثم يظهر اسمه مرة أخرى، وربما الأخيرة في (الرأي العام)، في افتتاحية العدد 71 (عزيزي السيد أنتوني جرينود)، التي وقعها بالأحرف (س و ع).


ولا ينبغي إغفال أن تجربة بافقيه الصحفية لم تبقَ حبيسة صفحات الصحف؛ فقد جمع سنة 1965 عددًا كبيرًا من المقالات التي نشرها في (الرائد)، إلى جانب عدد محدود من مقالاته في (الرأي العام)، وقدمها إلى الناشر السيؤني علي محمد الصبان، صاحب منشورات مؤسسة الصبان في عدن، الذي نشرها في كتاب بعنوان (صاروخ إلى القرن العشرين)، يحمل الاسم المستعار لبافقيه (سندباد ع الورق)، ويقع في 184 صفحة.

ومن شأن هذا الانتقال من الصحيفة إلى الكتاب أن يمنح تجربة بافقيه بعدًا آخر؛ إذ يكشف عن وعي مبكر بأن المقالة الصحفية يمكن أن تتجاوز عمرها اليومي، وأن بعض الكتابات الصحفية تملك من القيمة الفكرية والأدبية ما يسمح لها بأن تنتقل من فضاء الصحيفة العابر إلى فضاء الكتاب الأكثر رسوخًا.


ثانيًا: من نقد الظاهرة الاجتماعية إلى مساءلة المجتمع

إذا كان حصر كتابات محمد عبد القادر بافقيه في (الرأي العام) يكشف عن غزارة حضوره وتنوع أشكاله، فإن قراءة هذه الكتابات من حيث مضامينها تكشف عن اتجاه واضح يتمثل في النقد الاجتماعي.

فبافقيه لا يبدو معنيًا في المقام الأول بتقديم خطاب سياسي مباشر، وإنما يقترب من المجتمع من خلال تفاصيله اليومية، وعلاقاته، وممارساته، وتناقضاته الأخلاقية، ومظاهر الفساد التي تتسرب إلى مؤسساته. وفي هذا الإطار تناول قضايا مثل تعاطي الكحول وتصنيعه محليًا، والنفاق الاجتماعي، والنظرة الدونية للمرأة، والمضاربة في الأموال والعقارات، والرشوة والتهريب، والفساد في بعض مرافق العمل الحكومي والمدني. أما السياسة فكانت حاضرة بصورة أقل، وغالبًا من خلال التلميح والسخرية والموقف غير المباشر.


وهذه السمة جديرة بالتأمل؛ إذ إن بافقيه يبدو في عدد من مقالاته وكأنه يراهن على أن النقد الاجتماعي يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الإصلاح العام. فهو لا يكتفي بوصف الظاهرة، وإنما يبحث عن المفارقة الكامنة فيها، ويضعها أمام القارئ بطريقة تجعل الضحك نفسه وسيلة لاكتشاف الخلل.

1- الفساد الإداري والاقتصادي


في مقال (حديث صحفي)، الذي نشر في العدد الثاني، يعالج بافقيه الفساد في العمل من خلال تصوير موظف لا يبدي اهتمامًا بمن يدخل مكتبه إلا إذا تعلق الأمر باستئجار بيت أو شرائه أو رهنه.

وهنا تتجاوز المقالة مجرد نقد موظف بعينه؛ إذ تتحول الشخصية إلى نموذج، ويتحول المكتب إلى فضاء رمزي يكشف اختلال علاقة الموظف بالمواطن وبالوظيفة العامة. ويبدو أن هذه الطريقة في بناء النقد من خلال المشهد والشخصية أكثر تأثيرًا من الخطاب المباشر، لأنها تجعل القارئ أمام موقف يمكنه أن يتخيله ويرى تفاصيله.

ويتخذ نقد الفساد صورة أكثر وضوحًا في افتتاحية العدد التاسع (السر)، حيث يربط بافقيه بين مظاهر الثراء السريع وبين بيع الذمم. ويستعين في ذلك بسؤال يبدو بسيطًا: كيف يستطيع بعض ذوي الدخول المحدودة أن يبنوا عمارات شاهقة خلال وقت قصير؟ ثم تأتي الإجابة الساخرة: لقد باعوا ذممهم.

إن أهمية هذه المقالة لا تكمن في اتهام مباشر بقدر ما تكمن في بناء المفارقة: المجتمع يعرف أن هناك ثراءً غير طبيعي، لكنه لا يريد دائمًا أن يسمي أسبابه. وهنا يأتي الصحفي ليضع الإصبع على المسكوت عنه، مستخدمًا السخرية بدل الاتهام المباشر.

ويتعمق هذا النقد في افتتاحية العدد الثالث عشر (مجتمع الشيخ بلال)، حيث يناقش بافقيه استغلال حاجة الفقراء إلى المال عبر معاملات مالية ظاهرها البيع والشراء وحقيقتها الحصول على المال مقابل خسارة إضافية يتحملها المحتاج. ويقدم نموذج الموظف البسيط الذي يشتري سلعة لا يحتاج إليها بدين، ثم يعيد بيعها إلى البائع نفسه بخسارة، ليتحمل بعد ذلك أقساطًا تكاد تستنزف راتبه.

ويكشف هذا النص عن قدرة بافقيه على تحويل القضية الاقتصادية المعقدة إلى حكاية اجتماعية. فبدل أن يلجأ إلى لغة اقتصادية أو قانونية جافة، يقدم لنا شخصية، وحاجة، وموقفًا، ومؤسسة، ونتيجة؛ ثم يختم المشهد بالسخرية المريرة من المجتمع الذي يسمح بانقلاب (البيسة) إلى (روبية) بهذه الطريقة.


2- الرشوة وفساد المؤسسات

في مقال (بغيناكم تلقون بصر)، يوجه بافقيه نقدًا شديدًا إلى ظاهرة الرشوة في إحدى المدارس الحكومية، حيث لا يقبل الموظفون التلاميذ إلا إذا دفع أولياء الأمور ما يسميه الموظفون (أتعابهم).

والمفارقة هنا أن الفساد لا يحدث في مؤسسة هامشية، بل في مؤسسة يفترض أن تكون مهمتها الأساسية خدمة التعليم. ومن ثم فإن النقد يتجاوز الرشوة بوصفها ممارسة فردية، ليمسّ العلاقة بين الوظيفة العامة والأخلاق.

3- النفاق الاجتماعي وازدواجية القيم

من القضايا التي عادت في أكثر من نص قضية النفاق الاجتماعي، وهي عند بافقيه ليست مجرد صفة فردية، بل بنية سلوكية تجعل المجتمع يعيش بين خطاب معلن وممارسة خفية.


ففي افتتاحية العدد السادس (هذا هو السؤال) يربط بين النفاق الاجتماعي وانتشار الحشيش والكحول وتصنيع الخمر محليًا، رغم وجود العادات والقوانين والرقابة الدينية والاجتماعية. ويسأل في صيغة احتجاجية: أي مجتمع هذا الذي يلبس مسوح الرهبان ويمارس أعمال الشيطان؟

وتتخذ هذه الرؤية بعدًا أكثر شمولًا في افتتاحية العدد الرابع عشر (لعل وعسى)، حين يرى بافقيه أن أخطر أنواع الفساد هو فساد النظام الاجتماعي والسياسي نفسه، حين تتحكم القلة في الكثرة، ويتحول كل شيء إلى وسيلة للإثراء، وتختل القيم وتضيع المعاني وتميع الأخلاق.

وهنا يتضح أن بافقيه لا يتعامل مع الفساد باعتباره انحرافًا فرديًا فحسب؛ فهو يربطه بالبنية الاجتماعية وباختلال القيم. وهذه النقلة من نقد السلوك إلى نقد البيئة التي تنتجه تمنح كتابته بعدًا يتجاوز المقالة الصحفية الآنية.

4-المرأة في مرآة النقد الصحفي

تحتل قضية المرأة موقعًا مهمًا في كتابات بافقيه، خصوصًا في مقال (مذلول في الفضاء) الذي نشر في العدد الأول. ويكشف عنوان المقال نفسه عن موقف نقدي من المصطلح الاجتماعي الذي كان يستخدم في حضرموت لوصف المرأة، وعن النظرة التي كان بعض الرجال ينظرون بها إليها.

وتنبني المقالة على مفارقة ساخرة بين المرأة في مجتمعات قطعت أشواطًا في مجالات العلم والفضاء، وبين المرأة في المجتمع المحلي التي لا تزال أسيرة نظرة اجتماعية متخلفة.

وهذه المفارقة ليست مجرد وسيلة للضحك؛ إنها أداة نقد حضاري. فبافقيه يقارن بين صورة المرأة بوصفها شريكًا في الإنجاز الإنساني، وبين اختزالها في وظيفة اجتماعية ضيقة. ومن خلال هذا التضاد يجعل القارئ يكتشف بنفسه حجم المفارقة بين التقدم العلمي والتخلف الاجتماعي.


ثالثًا: الثقافة والأدب بوصفهما مدخلًا إلى النقد السياسي

لا تقتصر قيمة مقالات بافقيه على القضايا الاجتماعية المباشرة، فهو كان قارئًا للأدب والثقافة، ويستثمر قراءاته أحيانًا في إنتاج خطاب نقدي يتجاوز الكتاب موضوع العرض إلى الواقع المحلي.

ويتجلى ذلك بصورة واضحة في افتتاحية العدد الثاني (اللامعقول)، التي يوظف فيها قراءته لمسرحية (الكراسي) لأوجين يونسكو. يبدأ بافقيه بتقديم موجز لمسرح العبث أو اللامعقول، ثم ينتقل من المسرح العالمي إلى المجلس التشريعي في المكلا، فيقيم مضاهاة ساخرة بين الاثنين.

وهنا تتحول القراءة الأدبية إلى أداة لتفسير الواقع السياسي. فالمسرحية ليست غاية في ذاتها، وإنما تصبح مرآة يرى فيها الكاتب مشهدًا محليًا. وهذه الطريقة تكشف عن صحفي يمتلك ثقافة أدبية تمكنه من توظيف النص العالمي في قراءة الواقع المحلي.

والمهم أن بافقيه لا يقدم للقارئ درسًا نظريًا في مسرح العبث، بل يستخدم المفهوم لإنتاج سؤال سياسي: متى يتحرك شباب البلاد؟ ومتى يتحول المتفرجون إلى فاعلين؟

ومن هنا يمكن القول إن الثقافة في صحافة بافقيه لم تكن ترفًا، وإنما كانت جزءًا من مشروعه النقدي.

ويظهر هذا الأمر كذلك في مقالته (كتاب سخيف: صهيوني في المكلا)، التي تناول فيها كتاب (بلاد العرب من وراء الحجاب) (Behind the Veil of Arabia)، وما يطرحه من قضايا تتعلق بالرقيق في حضرموت والمملكة العربية السعودية. ويستغل بافقيه عرض الكتاب لتوجيه نقد شديد إلى مؤلفه وإلى الخطاب الغربي الاستشراقي والاستعماري الذي يراه مشوهًا للواقع العربي.

واللافت هنا أن بافقيه يمارس دور الصحفي القارئ والناقد الثقافي في الوقت نفسه. فهو لا يكتفي بإخبار القارئ بوجود الكتاب، بل يناقش الطريقة التي كتب بها، والجمهور الذي يتوجه إليه، والصورة التي يقدمها عن المجتمع المحلي. ومن ثم يصبح عرض الكتاب مناسبة لمساءلة صورة حضرموت في الكتابة الغربية.


رابعًا: السياسة بين التصريح والتلميح

على الرغم من أن محمد عبد القادر بافقيه لم يكن، في غالب كتاباته في الرأي العام)، كاتبًا سياسيًا مباشرًا، فإن السياسة كانت حاضرة بصورة أو بأخرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا الهوية والمستقبل السياسي للبلاد.

ومن المقالات النادرة التي يكشف فيها بوضوح نسبي عن موقفه السياسي افتتاحية العدد الحادي عشر (عيب). ففيها يعارض دخول حضرموت في الحكومة الاتحادية التي أنشأتها بريطانيا في جنوب البلاد، ويشترط انضمام مستعمرة عدن أولًا، محذرًا من أن يؤدي المشروع إلى مسخ هوية حضرموت والجنوب العربي.

وتستحق هذه المقالة اهتمامًا خاصًا لأنها تكشف أن الوعي السياسي عند بافقيه لم يكن منفصلًا عن وعيه بالهوية. فرفضه للمشروع الاتحادي لا يقدم في المقالة بوصفه موقفًا سياسيًا تقنيًا فحسب، وإنما يرتبط بالخوف من ذوبان الخصوصية الحضرمية والجنوبية.

أما موقفه السياسي الأكثر وضوحًا فيظهر في افتتاحية العدد 71، المؤرخة في 30 نوفمبر 1964، والمعنونة (عزيزي المستر أنتوني جرينود). ففيها يطالب البريطانيين بإشراك الأمم المتحدة في الإشراف على البلاد، وألا تُسلَّم السلطة عند رحيلهم لأي من الجبهتين اللتين بدأتا تتنازعان البلاد، خشية أن يكون المصير شبيهًا بمصير الكونغو.

وتكشف هذه المقالة عن رؤية سياسية تقوم على رفض استمرار الاستعمار، وفي الوقت نفسه التحذير من الصراع الداخلي الذي قد يعقب رحيله. ومن ثم فهي تجمع بين مطلب الاستقلال ومطلب ضمان انتقال سياسي لا يقود إلى الحرب الأهلية.

ومن اللافت أن هذا الموقف ينسجم، بحسب القراءة الواردة في المادة الأصلية، مع موقف حزب رابطة أبناء الجنوب العربي، الأمر الذي يضيف إلى النص قيمة بالنسبة إلى الباحث في التاريخ السياسي للجنوب، لا سيما إذا قُرئ في سياقه التاريخي الأوسع.


خامسًا: السخرية... جوهر أسلوب بافقيه

إذا كانت موضوعات محمد عبد القادر بافقيه تكشف عن صحفي منشغل بالمجتمع وقضاياه، فإن أسلوبه يفسر جانبًا مهمًا من قدرته على الوصول إلى القراء.

لقد كانت مقالاته تحظى باهتمام قراء الصحف المحلية في مطلع ستينيات القرن العشرين، وليس بسبب حساسية الموضوعات التي يتناولها فقط، وإنما أيضًا بسبب الطريقة التي يصوغ بها تلك الموضوعات. وتبرز في هذه الطريقة السخرية، والمزج بين الفصحى والعامية، والاستفادة من تقنيات الحوار والوصف والسرد.

وتبدو السخرية في مقدمة هذه الخصائص.

ففي (مذلول في الفضاء) يبني بافقيه المفارقة بين إنجاز المرأة السوفييتية في مجال غزو الفضاء وبين النظرة الاجتماعية المتخلفة إلى المرأة في حضرموت. يبدأ المشهد بقراءة خبر عن رحلة فالنتينا تيريشكوفا وبيكوفسكي، وعن أهمية التعاون بين الرجل والمرأة في عصر العلم، ثم ينتقل إلى الطائرة، حيث يطلب من رجل عجوز أن يسمح له بالمرور، فيجيبه الرجل بأنه سيُخرج (المذلول).

إن المفارقة هنا بالغة الدلالة: المرأة التي أصبحت شريكة في غزو الفضاء تقابلها في المشهد المحلي امرأة تُختزل في تسمية شعبية تحط من قدرها. ولذلك فإن السخرية لا تستهدف المرأة، وإنما تستهدف المجتمع الذي لا يزال عاجزًا عن رؤية المرأة بوصفها إنسانًا كامل الحقوق والقدرات.

وفي (حديث صحفي) يستخدم بافقيه السخرية في وصف المكتب الذي يدخله، فيبدأ من المكان المادي ليصل إلى صاحبه. المنضدة خشنة، قديمة، والكرسي مكسور، وكل شيء يبدو في حالة من البلى والتآكل. غير أن الكاتب يتجنب القول المباشر إن صاحب المكتب كذلك، ويترك القارئ يستنتج ذلك من خلال الوصف.

وهنا تتجلى إحدى مهاراته الأسلوبية الأساسية: التلميح بدل التصريح.

ويظهر هذا الأسلوب أيضًا في (شاهد التاج)، حين يستخدم تعبير (الخراف الضالة) في حديثه عن محمد عبد القادر بامطرف، فيجمع بين التهكم السياسي والعبارة ذات الحمولة الأخلاقية.

إن السخرية عند بافقيه ليست إذن مجرد زينة أسلوبية، بل هي منهج في التفكير والكتابة. إنها الوسيلة التي يحول بها التناقض الاجتماعي إلى مشهد، والفساد إلى مفارقة، والخلل السياسي إلى صورة ساخرة، بحيث يصبح القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى.


سادسًا: الفصحى والعامية... لغة صحفية تنحاز إلى القارئ

من السمات اللافتة في مقالات بافقيه مزجه بين اللغة العربية الفصحى ومفردات اللهجة الحضرمية وتراكيبها.

وتشير الكتابات التي بين أيدينا إلى أن بافقيه كان متمكنًا من العربية الفصحى نطقًا وكتابة، وهو ما يجعل استخدامه للعامية اختيارًا أسلوبيًا أكثر منه عجزًا عن استخدام الفصحى. ومن المرجح أن يكون من أهداف هذا الاختيار الاقتراب من القارئ المحلي وجعل المقالة أكثر حيوية وألفة.

ويتضح ذلك في عنوان (بغيناكم تلقون بصر)، وهو عنوان ينتمي بوضوح إلى المجال التداولي المحلي. ويستمر هذا القرب من اللغة اليومية في النص نفسه، الذي يبدأ بنبرة شخصية ساخرة: (هذه المرة السندباد تعبان قرفان)، قبل أن ينتقل إلى لغة فصحى واضحة في نقد الفساد.

إن هذا المزج بين المستويين اللغويين يمنح المقالة إيقاعًا خاصًا؛ فالفصحى تمنحها القدرة على التحليل والتقرير، بينما تمنحها العامية حرارة التداول اليومي وحيويته.

ونجد الأمر نفسه في (عصابات حشيمة)، حيث تتجاور الفصحى مع مفردات وتراكيب حضرمية، فيصف الكاتب أولئك الذين يمارسون حياة اللهو في الخفاء ثم يتحدثون نهارًا عن ضياع الأخلاق.

كما يظهر المزج بوضوح في (مجتمع الشيخ بلال)، الذي يبدأ بدعاء ساخر ذي نبرة شعبية، ثم ينتقل إلى حكاية الموظف البسيط الذي يقع في شبكة الاستغلال المالي.

وهذا الاستخدام للعامية يطرح سؤالًا مهمًا في دراسة الصحافة المحلية: هل كانت لغة بافقيه محاولة لخفض المسافة بين الصحفي والقارئ؟

يبدو أن الإجابة تميل إلى الإيجاب؛ فبافقيه لم يكتب من برج لغوي مرتفع، وإنما حاول أن يجعل مقاله قريبًا من لغة الناس، من دون أن يتخلى عن قدرته على التعبير بالفصحى. وهذا ما جعل لغته الصحفية ذات طابع هجين ومثمر، يجمع بين رصانة الفصحى وحيوية اللهجة المحلية.

ومن اللافت أن بعض هذه النصوص العامية لم يضمّنها بافقيه في كتابه (صاروخ إلى القرن العشرين)، وهو ما يمكن أن يفتح أمام الباحث سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين الكتابة الصحفية اليومية والكتابة التي يختار الصحفي الاحتفاظ بها في كتاب. وربما كان المستوى اللغوي لبعض تلك المقالات أحد الاعتبارات التي جعلته يستبعدها من الكتاب.


سابعًا: الصحفي الذي يكتب بعين القاص

ثمة جانب آخر يستحق الوقوف عنده في تجربة محمد عبد القادر بافقيه، وهو علاقته بالأدب السردي.

فاهتمامه بالأدب لا يظهر فقط في ترجمته قصصًا لسومرست موم، وإنما يتسرب أيضًا إلى بناء المقالة الصحفية نفسها. ولذلك نجد في بعض مقالاته اعتمادًا على الحوار والوصف والشخصية والمشهد، وهي عناصر تنتمي في أصلها إلى الكتابة السردية.

وهذه السمة تجعل المقالة البافقيهية أقرب أحيانًا إلى قصة قصيرة تتخفى في هيئة مقال صحفي.

ففي (حديث صحفي)، على سبيل المثال، لا يكتفي الكاتب بإبداء رأيه في الفساد الإداري، بل يدخل المكتب، وينظر إلى المنضدة، ويتأمل الكرسي، ويصف صاحب المكان، ويترك التفاصيل المادية تتولى جزءًا من عملية بناء الشخصية.

وفي (مجتمع الشيخ بلال) يتخذ النقد شكل حكاية؛ موظف محدود الدخل، يرغب في الزواج، يواجه تكاليف اجتماعية تفوق قدرته، فيلجأ إلى من يستغل حاجته. هكذا يصبح الفساد قصة إنسانية قبل أن يكون مفهومًا مجردًا.

وهذا الاستخدام للسرد يمنح النص الصحفي بعدًا آخر؛ فالقارئ لا يواجه فكرة مجردة عن الفساد، وإنما يرى شخصًا يقع في شباكه، ويتابع مصيره، ثم يكتشف من خلال الحكاية طبيعة النظام الاجتماعي الذي أنتج المشكلة.

ومن هنا يمكن النظر إلى بافقيه بوصفه نموذجًا مبكرًا للصحفي الذي لا يفصل بين الثقافة الأدبية والممارسة الصحفية. لقد كان قارئًا للأدب، ومترجمًا له، ومستخدمًا لبعض أدواته في المقالة، وهو ما ساعده على إنتاج كتابة أكثر حيوية وأقرب إلى الأدب من المقالة الصحفية التقليدية.


خاتمة: بافقيه بوصفه شاهدًا على زمنه

تكشف تجربة محمد عبد القادر بافقيه في (الرأي العام) عن نموذج صحفي يستحق أن يستعيد موقعه في تاريخ الصحافة الحضرمية والعربية الحديثة.

فأهمية بافقيه لا تتحدد في عدد المقالات التي كتبها، ولا في حضوره المنتظم أو غير المنتظم في الصحيفة، وإنما في طبيعة الوعي الذي تعكسه كتاباته. لقد كان يكتب عن المجتمع وهو يرى تناقضاته، وينقد الظواهر السلبية من داخلها، ويستخدم السخرية بوصفها وسيلة لكشف المسكوت عنه، ويستعين باللغة اليومية لتقريب مقاله من القارئ، ويستفيد من الحوار والوصف والسرد ليمنح الكتابة الصحفية حيوية تتجاوز النمط التقريري.

ومن جهة أخرى، فإن عودة الباحث إلى هذه المقالات تكشف أن الصحافة الحضرمية في ستينيات القرن العشرين كانت أكثر ثراءً مما قد يوحي به النظر إليها باعتبارها مجرد صحافة محلية محدودة الانتشار. فقد كان فيها كتاب يمتلكون وعيًا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا، ويتابعون الأدب العالمي، ويتفاعلون مع القضايا السياسية الكبرى، ويناقشون في الوقت نفسه مشكلات المجتمع اليومية.

ولعل أبرز ما يميز تجربة بافقيه أنه لم يجعل من السياسة المجال الوحيد الذي يمكن من خلاله مساءلة الواقع. فقد وجد في السخرية الاجتماعية، والنقد الأخلاقي، والقراءة الأدبية، والحكاية اليومية أدوات بديلة للتعبير عن موقفه من المجتمع والسلطة والفساد والهوية.

وإذا كانت السياسة تظهر عنده أحيانًا بصورة مباشرة، كما في موقفه من مشروع الحكومة الاتحادية أو من مستقبل البلاد بعد رحيل البريطانيين، فإنها في أغلب كتاباته الأخرى تظهر من خلال قضايا تبدو اجتماعية في ظاهرها، لكنها ترتبط في عمقها بأسئلة السلطة والقيم والعدالة والمواطنة.

ولذلك فإن محمد عبد القادر بافقيه لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه صحفيًا كتب في (الرائد) و(الرأي العام)، وإنما ينبغي أن يُقرأ بوصفه شاهدًا ثقافيًا على مرحلة مفصلية من تاريخ حضرموت والجنوب العربي. فالمقالة عنده وثيقة اجتماعية، والسخرية موقف، واللغة أداة اقتراب من الجمهور، والقراءة الأدبية مدخل إلى مساءلة الواقع.

كما أن كتابه (صاروخ إلى القرن العشرين) يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذه التجربة، لأنه أخرج بعض كتاباته من سياقها الصحفي اليومي وأتاح لها حياة أخرى في فضاء الكتاب. ومن هنا فإن دراسة هذا الكتاب، إلى جانب استقراء ما نشره بافقيه في (الرائد) و(الرأي العام)، يمكن أن تشكل مادة أساسية لإعادة بناء تجربته الصحفية بصورة أكثر شمولًا.

إن أي تاريخ جاد للصحافة الحضرمية في النصف الثاني من القرن العشرين لا يستطيع أن يتجاوز تجربة محمد عبد القادر بافقيه، كما لا يمكن أن يكتمل هذا التاريخ من دون قراءة كتابات زملائه الذين شاركوا في صناعة ذلك المشهد الصحفي، مثل علي محمد حميد، ويحيى عبود بن يحيى، والأديبة سلامة عبد القادر بامطرف.

ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى أعداد (الرأي العام) لا بوصفها أرشيفًا صحفيًا فحسب، وإنما بوصفها أرشيفًا للذاكرة الاجتماعية والثقافية والسياسية لحضرموت.

ولعل محمد عبد القادر بافقيه، بما تركه من نصوص، يمثل أحد الأصوات التي تؤكد أن الصحافة المحلية يمكن أن تكون، في لحظات تاريخية معينة، أكثر من مهنة؛ يمكن أن تكون شكلًا من أشكال الوعي، ووسيلة لمساءلة المجتمع، ومساحة لمقاومة النسيان.

ومن ثم فإن إعادة قراءة بافقيه اليوم ليست مجرد وفاء لرجل صحافة من جيل سابق، وإنما هي محاولة لفهم كيف كان الصحفي الحضرمي يرى مجتمعه، وكيف كان يكتب عنه، وكيف استطاع أن يجعل من السخرية لغةً للنقد، ومن المقالة الصحفية وثيقةً لزمن كامل.

وهذا، في تقديري، هو الجانب الأهم في إرث محمد عبد القادر بافقيه: أنه لم يكن يكتب عن زمنه فقط، بل كان يترك لنا، من خلال كتاباته، طريقةً للنظر إلى ذلك الزمن.