في الجدل الاقتصادي حول الفائض التجاري ، تميل الكثير من القراءات الرسمية في الدول الغربية أن جمهورية الصين تتعمد خفض سعر صرف عملتها من أجل اكتسابها ميزة نسبية وزيادة فائضها التجاري.
غير أن الفائض التجاري مع الولايات المتحدة وأوروبا لايعني بالضرورة أن الدولة الصينية تتعمد ذلك ولكن، أصبح ينظر بشكل متزايد الى ان بعض الاختلالات هي المسؤولة عن ذلك، راجع" مقال الدكتور محمود محي الدين في جريدة الشرق الأوسط اللندنية الصادرة اليوم 12 أغسطس 2026".
وفق هذا السياق يمكن النظر للمسألة من عدة زوايا :
اولا : هل نفهم فعلا ان الصين تتعمد خفض اليوان ؟
الاتهام الأمريكي التقليدي للصين بأنها" تتلاعب بالعملة" كان يستند الى أن ضعف اليوان يجعل الصادرات الصينية ارخص في الأسواق العالمية والسوق الأمريكية على وجه الخصوص.لكن تفسير انخفاض اليوان في السنوات الأخيرة أصبح أكثر تعقيدا حتى لدى المؤسسات الدولية فهناك عوامل داخلية قوية :
- الفائض الإنتاجي الصيني,فالصين بنت خلال العقود الماضية قاعدة صناعية ضخمة تفوق احيانا قدرة الطلب المحلي والعالمي على استيعاب الإنتاج ،خصوصا في قطاع السيارات الكهربائية ،الطاقة المتجددة، الالات والمنتجات الإلكترونية وحتى مؤخرا في منتجات الذكاء الاصطناعي .هذا الفائض يدفع الشركات الى البحث عن الأسواق الخارجية .
- ارتفاع الادخار وانخفاض الاستهلاك :
الاقتصاد الصيني تاريخيا يعتمد بدرجة كبيرة على الادخار والاستثمار أكثر من الاستهلاك .ارتفاع معدلات الادخار يؤدي الى تثبيط الطلب المحلي لناحية كبح النمو بالسرعة الكافية لاستيعاب الإنتاج ،فتتجه الشركات نحو التصدير .
- أزمة القطاع العقاري :
أزمة القطاع العقاري تتمثل بوجود مدن كبيرة ضخمة تم بنائها لكن لااحد يسكنها هذا الوضع ولد ضعف ثقة الأسر الصينية لأن جزءا كبيرا من ثروتها كان مرتبط بالعقارات .انخفاض الثقة يدفع الأسر الى زيادة الادخار وتقليل الانفاق مما يضعف الطلب المحلي ايضا .
- ضعف شبكة الأمان الاجتماعي :
إذ يشعر المواطنون الصيننون بحالة مستدامة من عدم اليقين بشأن التقاعد والرعاية الصحية والتعليم ، هذا الوضع ضاعف من رغبتهم في الادخار التحوطي بدلا من الاستهلاك وهذه نقطة جوهرية .
لذلك فإن ضعف اليوان يمكن النظر آلية وان جزئيا كمحصلة لهذه الاختلالات الداخلية مجتمعة.
ثانيا : هل التدخل الصيني يهدف الى خفض سعر اليوان ؟
البنك المركزي الصيني غالبا مايدتخل لمنع هبوط اليوان بسرعة وهذه مفارقة وليس لدفعة الى الانخفاض فدولة الصين تخشى كاي دولة أن يؤدي انخفاض العملة الحاد الى خروج رؤوس الأموال ,وارتفاع تكلفة الواردات ,وزيادة الضغوط التضخمية ,وفقدان الثقة بالعملة.
لكنها في الوقت ذاته لاترغب في رفع قيمة اليوان بقوة لأن ذلك يضر بالقدرة التنافسية للصادرات .
ثالثا : المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية
الولايات المتحدة في الغالب تحتفض بدولار قوي عكس رغبتها وهذا لايعكس قوة الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل ترتبط أيضا بدوره كعملة احتياط عالمية. لذلك هناك طلب عالمي مستمر على الدولار ، واستخدام الدولار في التجارة والتمويل الدوليين، عدا عن مكانة سندات الخزانة الأمريكية ،ووجود اسواق مالية امريكية عميقة.
كما أن وجود إجمالي دين عام امريكي يتميز بالضخامة ،كل هذه العوامل ترفع من قيمة الدولار بشكل أو بآخر، وهنا يجب عدم الخلط بين الدين العام الإجمالي الأمريكي المتراكم الذي يربو عن 36ترليون دولار ،والعجز السنوي للموازنة الذي يزيد عن الترليون دولار اقول هذا لأنها نقطة جوهرية عند تحليل اثر المالية العامة على سعر الصرف .
ثالثا : ماالحل للعجز التجاري الأمريكي الصيني ?
من الأهمية بمكان الإشارة الى أن اختلال التجارة غالبا يعكس اختلالات في الادخار والاستثمار ، وليس فقط سعر الصرف.
فالولايات المتحدة تعاني من استهلاك مرتفع , وادخار منخفض، عجز مالي كبير .والصين في المقابل تعاني من : ادخار مرتفع ،استهلاك داخلي منخفض، اعتماد كبير على الاستثمار والتصدير .
لذلك فإن معالجة الاختلالات تحتاج وفق الكثير من المصادر إلى:
رفع معدل الادخار الأمريكي ،
زيادة الاستهلاك الصيني ،
اصلاح نظام الحماية الاجتماعية في الصين لتحفيز الصينين للاستهلاك أكثر .
تطوير الطلب المحلي الصيني يعني تشجيع الاستهلاك ليصبح محركا أساسيا للنمو عوضا عن التصدير .
يمكن أن نستخلص :
أن خفض قيمة العملة قد تكون أداة تستخدمها بعض الدول ولكن ليس دائما ومع ذلك لايمكن اعتبارة التفسير الوحيد للفوائض التجارية.في الحالة الصينية يبدو أن ضعف اليوان والفائض التجاري يرتبطان بدرجة كبيرة بنموذج اقتصادي قائم على الإنتاج المرتفع، والادخار المرتفع، والاستهلاك المنخفض.
والحل المستدام لايتحقق بالحواجز التجارية ،والرسوم الجمركية،بل في إعادة التوازن بين الادخار والاستهلاك داخل اكبر اقتصادين في العالم .
12 اغسطس 2026